ابن قيم الجوزية

606

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وجعل القيد بيداء لوجهين : أحدهما : أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم . ولا يكون معه سواه . والثاني : لسعته وفضائه . فصاحب مشهده : في بيداء واسعة ، وإن احتبس في قيد شهوده . وقوله : « وهذا فقر الصوفية » . قد يفهم منه : أن التصوف أعلى عنده من الفقر . فإن هذه الدرجة الثالثة - التي هي أعلى درجات الفقر عنده - هي من بعض مقامات الصوفية . وطائفة تنازعه في ذلك ، وتقول : التصوف دون هذا المقام بكثير . والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر . فإن التصوف خلق . وهذا الفقر حقيقة ، وغاية لا غاية وراءها . وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة . وحكينا فيها ثلاثة أقوال : هذين ، والثالث : أنه لا يفضل أحدهما على الآخر . فإن كل واحد منهما لا تتم حقيقته إلا بالآخر . وهذا قول الشاميين . واللّه أعلم . منزلة الغنى العالي ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الغنى العالي » . وهو نوعان : غنى باللّه ، وغنى عن غير اللّه . وهما حقيقة الفقر . ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة . قال صاحب المنازل رحمه اللّه « باب الغنى . قال اللّه تعالى : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) [ الضّحى : 8 ] . وفي الآية ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أغناه من المال بعد فقره : وهذا قول أكثر المفسرين . لأنه قابله بقوله « عائلا » والعائل : هو المحتاج . ليس ذا العيلة . فأغناه من المال . والثاني : أنه أرضاه بما أعطاه . وأغناه به عن سواه . فهو غنى قلب ونفس ، لا غنى مال . وهو حقيقة الغنى . والثالث : - وهو الصحيح - أنه يعم النوعين : نوعي الغنى ، فأغنى قلبه به . وأغناه من المال . ثم قال : « الغنى اسم للملك التام » . يعني أن من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني . وعلى هذا : فلا يستحق اسم « الغني » بالحقيقة إلا اللّه . وكل ما سواه فقير إليه بالذات . درجات الغنى قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : غنى القلب . وهو سلامته من السبب . ومسالمته للحكم . وخلاصه من الخصومة » . حقيقة غنى القلب : تعلقه باللّه وحده . وحقيقة فقره المذموم : تعلقه بغيره . فإذا تعلق باللّه حصلت له هذه الثلاثة التي ذكرها . « سلامته من السبب » أي من التعلق به ، لا من القيام به . والغنى عند أهل الغفلة بالسبب .